رشيد بلبوز.. من مطالب مهنيي النقل إلى قلب القرار بالرباط
من التنظيم المهني والترافع عن مطالب العاملين في قطاع النقل إلى مخاطبة المؤسسات المركزية، يبرز مسار رشيد بلبوز نموذجاً لدور الفاعلين المهنيين في نقل إكراهات الميدان إلى النقاش العمومي.
بقلم: هيئة التحرير – “نيوز ليك”
في جغرافيا النقل الطرقي بالمغرب، حيث يختلط عرق السائقين بغبار الأسفلت، وتتشابك يومياتهم مع تعقيدات البيروقراطية ومخاطر الطرق، يبرز اسم رشيد بلبوز كظاهرة نقابية غير مألوفة. الرجل الذي يعتلي منصب رئيس الشبكة الوطنية لمهنيي النقل بالمغرب (RNPT)، لم يعد مجرد فاعل محلي في منطقة سوس والجنوب، بل تحول في وقت قياسي إلى “رقم صعب” يفرض إيقاعه في المشهد الترافعي الوطني. فكيف تمكن هذا القيادي من تحويل قضايا “مهنيي الهامش” إلى ملفات ساخنة تفرض نفسها على طاولة مسؤولي الرباط؟
بصمة القيادة: “قوة بلبوز لا تنبع من المكاتب المكيفة، بل من قدرته الفريدة على تحريك أسفلت المحطات، وتحويل غضب السائقين المبعثر إلى قوة تفاوضية صارمة تطرق أبواب الوزارة الوصية.”
دلالات الشعار: بين ميزان العدالة وعمق الانتماء

لفهم فلسفة الرجل، لا بد من قراءة الشعار الذي يترأسه. ميزان العدالة يتوسط العلم المغربي، محاطاً بسنابل القمح وأغصان الزيتون. هذا التصميم ليس مجرد هوية بصرية للشبكة الوطنية لمهنيي النقل (RNPT)، بل هو إعلان مبادئ: الترافع القانوني الصارم، التمسك بالثوابت الوطنية، والدفاع عن لقمة عيش السائق التي طالما عبثت بها الحلول الترقيعية. بلبوز، بصفته رئيساً لهذا الكيان، يوظف هذا الرمز ليؤكد أن معركته ليست فوضى، بل امتداد لعدالة اجتماعية غائبة.
إمبراطورية” بلبوز التنظيمية: من طنجة إلى الكويرة
لا يؤمن رئيس “RNPT” بالعمل النقابي النظري أو الخطابات المنبرية الجوفاء. مصداقيته تُستمد من “النزول إلى الأرض”. تحت قيادته، خاضت الشبكة معركة توسع ترابي طاحنة، لم تكتفِ بالشعارات، بل تجسدت في هيكلة صارمة امتدت لتشمل ربوع المملكة. فلم يخلُ جهة أو إقليم إلا وأشرف شخصياً على تأسيس وتأطير فروعه، محولاً الشبكة إلى ما يشبه “الشبكة العنكبوتية” التي تمسك بتفاصيل القطاع في كل نقطة.
واليوم، تفتخر الشبكة التي يرأسها بلبوز بحضور مؤسساتي صلب، يتمثل في مجموعة من المكاتب الجهوية والإقليمية الاستراتيجية، التي نذكر منها واحداً تلو الآخر:
-
المكتب الجهوي طنجة تطوان الحسيمة
-
المكتب الجهوي مراكش أسفي
-
المكتب الجهوي الداخلة وادي الذهب
-
المكتب الجهوي العيون الساقية الحمراء
-
المكتب الإقليمي إنزكان أيت ملول
-
المكتب الإقليمي أكادير إداوتنان
-
المكتب الإقليمي شتوكة أيت باها
هذا الانتشار الجغرافي المهول، من أقصى الشمال إلى أقاليمنا الجنوبية، ومن الساحل الأطلسي إلى أعماق سوس، يعكس قدرة بلبوز على توحيد صفوف السائقين، ونبذ التفرقة، وخلق جبهة موحدة قادرة على مواجهة جشع “الشناقة” وتغوّل القرارات البيروقراطية.
لغة “الأسفلت”: عندما يتحول الخطاب إلى جرأة لافتة
ما يميز خرجات بلبوز الإعلامية هو جرأته اللافتة ونبذه المطلق لـ”لغة الخشب”. في مارس 2026، وبعد الفاجعة الطرقية المروعة بإقليم أزيلال (انقلاب سيارة نقل مزدوج)، لم يجد بلبوز حرجاً في توجيه أصابع الاتهام مباشرة للمنتخبين والسلطات المحلية، مفضحاً واقع “العزلة والتهميش” وانعدام المسالك المعبدة التي تحول حياة السائقين والركاب إلى كابوس يومي.
بالنسبة له، قضية النقل تتجاوز بكثير “الرخصة” أو “المأذونية”؛ إنها معركة كرامة وعدالة مجالية. إنه الصوت الصادع الذي يدافع عن النقل القروي في قمم الجبال، وينتفض في وجه التضييق على سائقي “الطاكسيات”، مؤكداً بحزم أن حق العمل والعبور مكفول بالقانون، لا بالمزاج.
من “الوقفة الاحتجاجية” إلى اعتصامات الرباط
في الذاكرة النضالية للمهنيين، تظل واقعة “الوقفة الاحتجاجية” بدمنات علامة فارقة. فقد تحولت تلك الخطوة غير التقليدية إلى أيقونة احتجاجية ضد غياب محطات انطلاق قانونية للنقل الاجتماعي.
لكن طموح رئيس الشبكة تجاوز المحلي إلى المركزي. تحت إشرافه، شهدت العاصمة الرباط إنزالات ميدانية ووقفات حاشدة أمام مقر وزارة النقل واللوجيستيك. بلبوز يمارس هنا “الضغط الممنهج” لفرض أجندة المهنيين في أي حوار قطاعي، مطالباً بدفتر تحملات منصف، وبالتعميم الحقيقي للحماية الاجتماعية للسائقين، رافضاً المسكنات المؤقتة.
“محامي المواطن”: موازنة بين حق السائق وحق الراكب
في أوقات الذروة والمناسبات الدينية، حيث تتهم الأنظار مهنيي النقل برفع الأسعار، يظهر بلبوز بقبعة “المدافع عن المهني النزيه والمواطن معاً”. في خرجاته الميدانية، يوجه نيرانه نحو فوضى المحطات وجشع الوسطاء، مطالباً الدولة بتشديد الرقابة لحماية القدرة الشرائية للمواطن، ومبرئاً في الوقت ذاته السائق البسيط من تهمة الاستغلال. إنها معادلة إعلامية ذكية تجعله في قلب الحدث دائماً.
رهان المكاسب الملموسة
يقود رشيد بلبوز سفينة “RNPT” وسط أمواج عاتية؛ غلاء المحروقات، وتأخر الإصلاحات الهيكلية، وترقب دائم من القواعد الشعبية. أنصاره يرونه “المنقذ” الذي أعاد للقطاع هيبته، بينما يراقب المتتبعون قدرته على تحويل هذا الزخم الإعلامي والنضالي إلى مكاسب تلمسها جيوب السائقين.
الأكيد، أن بلبوز نجح في جعل صوته – وصوت مهنيي النقل – رقماً لا يمكن تجاوزه في المشهد النقابي المغربي. وما تبقى هو اختبار الزمن: هل سيصمد هذا التنظيم في انتزاع الحقوق فوق الأسفلت المغربي؟ “نيوز ليك” تتابع المشهد عن كثب.




